الحكيم الترمذي
132
غور الأمور
وكان الملك وملك الملك وهو العقل والمعرفة وجنودهما وحشمهما محجوبين مسجونين مقصورين مذللين ، لا يجاوز أمرهما وسلطانهما ربض المدينة وهو القلب ، فيجزع الملك من ذلك ، ويحزن ويستوحش وينقبض وينزوى ، فينجلى من القلب من نوره قدر الانقباض ولا يذوى ، فيصير ذلك الموضع من القلب خاليا من النور . فكلما كان سلطان العدو أجرى ، وأمره أنفذ ، كان الصدر أظلم ، وكلما كان الصدر أظلم ، كان الملك أحزن ، وأوحش ، وكلما كان الملك أوحش ، كان انقباضه وانزواؤه أشد ، وكلما كان انقباضه أشد ، كان سلطان نوره أضعف ، وكلما كان سلطان نوره أضعف ، كان القلب من نوره أخلاف ذلك . أنه لا يصل إلى جوالى « 1 » القلب ، وزوايا نوره ؛ لا نقباضه وضعف نوره ، لوحشته الأحرى إلى المصباح في بيت واسع ، فكلما كان سلطان السراج أشد ، كان البيت أضوء وأنور وأسطع ، حتى يجاوز وينفذ المساكن . وكلما كان سلطانه أضعف ، كان البيت أظلم ، فليس له سلطان يسطع لظلمته ووحشته ، فظلمة دخانه على الصدر ، وعلى باب القلب ، فإذا طال ذلك عليه وهو محبوس مسجون محجوب ، قد جسته غيوب جنود العدو ودخانها ، منطوى سلطان نوره ، مرضت المدينة أي القلب وصارت كسنة مقحوطة ، قد منع عنها الماء فيبست أشجارها ، وتغيرت ألوانها ، فلم يزل مريضا عليلا حتى يموت . ومن ذلك قول اللّه عز وجل : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا
--> ( 1 ) الجول : لب القلب ومعقول . وقيل : جول القبر ما حوله ، وفي حديث الأحنف : ليس لك جول أي عقل مأخوذ من جول البئر بالضم وهو جدارها .